الأثر معيار النجاح في الريادة الاجتماعية وقياس الأثر الاجتماعي
كيف يُقاس النجاح الحقيقي في الريادة الاجتماعية؟ مقال يوضح الفرق بين الإنجاز والأثر، ودور قياس الأثر الاجتماعي في الاستدامة والتحول المجتمعي.
مع كل عام جديد، تبرز الحاجة إلى مراجعة ما تحقق فعليًا. ومع اقتراب عام 2026، لم يعد الاكتفاء برصد المنجزات كافيًا. إذ أن السؤال الأهم اليوم هو: ما التغيير الذي حدث على أرض الواقع؟ في سياق الريادة الاجتماعية، لا تمثل كثرة المبادرات الاجتماعية أو عدد الأنشطة المنفذة دليلًا على القيمة المتحققة. فالقيمة الحقيقية تُقاس بمدى الأثر الاجتماعي الذي أحدثه التدخل، وبقدرته على الاستمرار بعد انتهاء المشروع.
تواجه كثير من المبادرات الاجتماعية إشكالية واضحة في طريقة التقييم، حيث ينصب التركيز غالبًا على ما نُفّذ بدلًا من التركيز على ما تغيّر. حيث توضّح أدبيات قياس الأثر الاجتماعي وجود تمايز جوهري بين المخرجات بوصفها الأنشطة والخدمات المنفذة، وبين النتائج التي تعبّر عن تغيرات قصيرة أو متوسطة المدى، وبين الأثر الذي يمثل التحول المستدام في حياة الأفراد أو في بنية المجتمع. الاكتفاء بقياس المخرجات قد يعكس نشاطًا تشغيليًا مرتفعًا، لكنه لا يضمن تحقيق تحول اجتماعي فعلي.
هذا الخلط يقود إلى ما يمكن وصفه بفخ النشاط في المبادرات الاجتماعية. تبدو المبادرات نشطة من حيث الأرقام والتقارير، لكن دون إجابة واضحة عن الأسئلة المرتبطة بواقع المستفيدين. هل تحسّن وضعهم الاقتصادي؟ هل ازدادت قدرتهم على الاعتماد على الذات؟ هل تغيّرت فرصهم أو سلوكهم على المدى الأطول؟ في هذا السياق، يتضح أن قياس الأثر الاجتماعي ليس إضافة شكلية، بل أداة أساسية لتقييم جدوى أي مشروع اجتماعي. فغياب القياس يحوّل الجهد إلى تكلفة مرتفعة بعائد اجتماعي محدود.
ومن هنا، لا يُفترض أن يأتي قياس الأثر الاجتماعي في نهاية المشروع أو بعد اكتمال التنفيذ. البداية الصحيحة تكون من مرحلة تصميم المبادرات الاجتماعية. عندما يُبنى المشروع انطلاقًا من التغيير المستهدف، يتحول قياس الأثر إلى أداة قيادة توجه القرار، وتكشف الحاجة إلى التعديل المبكر، وتمنع الاستمرار في مسارات لا تُحدث فرقًا حقيقيًا. وبهذه المقاربة، يصبح قياس الأثر ممارسة تشغيلية مستمرة، لا تقريرًا ختاميًا يُعدّ لأغراض العرض فقط.
تتجلى أهمية قياس الأثر عند الحديث عن الاستدامة في الريادة الاجتماعية. فالاستدامة لا تتحقق بالتمويل وحده، ولا بحسن النية. وإنما تتحقق عندما يكون الأثر واضحًا، ومحددًا، وقابلًا للإثبات. فالمبادرات التي تمتلك نظامًا فعّالًا لقياس أثرها الاجتماعي تكون أكثر قدرة على بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، وجذب الاستثمار الاجتماعي، والتوسع دون فقدان المعنى أو الانحراف عن الهدف. في هذا السياق، تصبح الاستدامة نتيجة مباشرة لأثر مُصمَّم ومقاس بوعي.
ورغم تنوع نماذج قياس الأثر الاجتماعي، لا توجد أداة واحدة صالحة لجميع المبادرات. فالأثر يرتبط بالسياق المحلي، وطبيعة التحدي الاجتماعي، وخصائص الفئة المستهدفة، والزمن اللازم لظهور التغيير. حيث أن نقل نماذج قياس الأثر بشكل حرفي دون تكييف يحوّل القياس إلى عبء إداري، ويفقده قيمته كأداة للتعلّم واتخاذ القرار داخل المبادرات الاجتماعية.
كما أن الاعتماد على البيانات الرقمية وحدها لا يقدّم صورة مكتملة للأثر الاجتماعي. المؤشرات الكمية توضح حجم التغيير واتجاهه، لكنها لا تفسّر أسبابه ولا آلياته. فقياس الأثر الفاعل يتطلب الجمع بين البيانات التي تُظهر ما حدث، والمعطيات النوعية التي تشرح كيف ولماذا حدث. الأرقام تجعل الأثر الاجتماعي مرئيًا، بينما يمنحه التحليل النوعي عمقًا ومعنى قابلين للفهم.
في جوهره، الأثر الاجتماعي ليس محطة ختامية، وإنما عملية تعلّم مستمرة. فعندما يُستخدم قياس الأثر الاجتماعي بهدف التحسين والتطوير، تتمكن المبادرات الاجتماعية من تعديل تدخلاتها في الوقت المناسب، وتحويل التحديات إلى معرفة عملية قابلة للبناء. أما اختزال قياس الأثر في التقارير والمساءلة فقط، فيحدّ من قيمته ويضعف أثره التطويري على المدى الطويل.
في أروقة الريادة، ننطلق من قناعة واضحة مفادها أن النجاح الحقيقي في الريادة الاجتماعية لا يُقاس بحجم ما نُنفّذ، بل بعمق ما نُغيّر. فالأثر الاجتماعي ليس خطابًا نظريًا، وإنما التزام عملي يوجّه تصميم المبادرات الاجتماعية، ويدعم استدامتها، ويجعل الريادة الاجتماعية أداة تحول واقعية. ليبقى السؤال الجوهري الذي يستحق التوقف عنده دائمًا: ما الأثر الذي نسعى إلى تحقيقه؟ وكيف نقيسه بصدق ووضوح؟
أروقة البداية والنهاية
نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!