كيف تتحول الفكرة الاجتماعية إلى نموذج عمل مستدام؟
تحويل الفكرة في الريادة الاجتماعية إلى نموذج عمل قابل للاستمرار يبدأ بدمج الأثر في التصميم، واستخدام قياس الأثر كأداة قرار وتعلّم، لا كإجراء تقريري.
في سياق مثل سياق الريادة الاجتماعية، لا تُختبر قوة الفكرة في البداية عند طرحها، وإنما عند تحويلها إلى نموذج عمل قادر على الصمود والتطوّر. ففي كثير من المبادرات تبدأ بوعي عالٍ بالقضية، ثم تتراجع مع الزمن؛ لأن الأثر يُفصل عن التشغيل، ويُتعامل معه كقيمة معنوية مستقلة عن بنية العمل. ما يحدّد الاستمرارية هنا هو قدرة النموذج على إدخال الأثر في منطق العمل اليومي، لا الاكتفاء بتبنّيه كغاية عامة.
تبيّن التجارب البحثية أن قياس الأثر يفقد جزءًا كبيرًا من جدواه عندما يُؤجَّل إلى ما بعد التنفيذ، أو يُستخدم فقط لتلبية متطلبات خارجية. في المقابل، تتضاعف قيمته عندما يُستثمر لتحسين القرار، وتعديل المسار، وتفسير النتائج أثناء التشغيل. فإدخال الأثر في مرحلة التصميم لا يشكّل عبئًا إداريًا إضافيًا، لأنه يوفّر إطارًا يساعد على فهم العلاقة بين ما يُنفَّذ وما ينتج عنه فعليًا، ويمنح النموذج قدرة أعلى على التعلّم من الواقع.
غير أن هذا الإدماج لا يتحقق عبر أدوات معقّدة أو مؤشرات متراكمة. حيث تشير الأدلة إلى أن المبالغة في القياس تقود غالبًا إلى تعطيله أو تجاهله. لهذا السبب، تميل النماذج الأكثر قابلية للاستمرار إلى اعتماد مؤشرات محدودة، واضحة الوظيفة، ومتصلة مباشرة بالنشاط الأساسي. تُفهم البساطة هنا بوصفها خيارًا عمليًا يضمن بقاء القياس مستخدمًا، ويحوّله من عبء إضافي إلى ممارسة ذات قيمة تشغيلية.
ومع انتظام القياس، يتبدل موقعه داخل المنظمة. فلا يقتصر دوره على الوصف، وإنما يصبح أداة توجيه. وعندما تدخل بيانات الأثر في نقاشات التخطيط والحوكمة، تتحول إلى عنصر فاعل في إدارة المخاطر، وتحديد الأولويات، واتخاذ قرارات التوسع أو التعديل. وفي هذه المرحلة، لا يُنظر إلى الأثر بوصفه ما تحقق في الماضي، وإنما كمدخل لتحسين الدورة التالية من العمل.
ومع ذلك، لا يمكن فصل الأثر عن القدرة المؤسسية. فالطموح العالي، إذا لم يُقابل بإمكانات تشغيلية مناسبة، يتحول إلى مصدر ضغط على النموذج بدل أن يدعمه. إذ تشير الأدبيات إلى فجوة متكررة بين ما ترغب المبادرات في قياسه، وما تستطيع إدارته فعليًا. التعامل مع هذه الفجوة يتطلب بناء أنظمة الأثر بشكل تدريجي، وبوتيرة تتناسب مع نمو الفريق وتطوّر الموارد، حتى يظل القياس ممكنًا ومستدامًا.
في المحصلة، لا تُقاس استدامة الريادة الاجتماعية بوضوح خطابها، وإنما بقدرتها على تحويل الأثر إلى عنصر قابل للإدارة. فقياس الأثر قرار تصميمي يُتخذ مبكرًا، والبساطة فيه ممارسة واعية لا اختزالًا منهجيًا، والأثر الذي لا يدخل في القرار يفقد معناه العملي. وضمن هذا الفهم، تتحول الريادة الاجتماعية من نوايا حسنة إلى نماذج عمل قادرة على الفعل.
وانطلاقًا من ذلك، ننظر في أروقة الريادة إلى نموذج العمل الاجتماعي كأداة تمكين وبناء، لا كوعاء تعريفي. فالأثر يُصاغ في العمق، ويُدار بوعي، وينمو بقدر ما تسمح به القدرة المؤسسية. عند هذه النقطة فقط تكتمل معادلة الفكرة، والنموذج، والاستمرار.
أروقة البداية والنهاية
نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!