كيف نبني منظومة داعمة للأثر الاجتماعي المستدام؟
كيف نبني منظومة داعمة للأثر الاجتماعي المستدام؟ قراءة منهجية تربط السياسات، والتمويل الاجتماعي، وبناء القدرات، والشراكات، وقياس الأثر ضمن مسار تنموي متكامل.
لا يُبنى الأثر الاجتماعي المستدام عبر برنامج واحد ولا تحققه جهة منفردة، لكنه يتحقق حين تتكامل السياسات، والتمويل الاجتماعي، وبناء القدرات، والشراكات، وقياس الأثر ضمن بنية تمكينية واضحة تربط الفعل بالنتيجة. في هذا السياق، لم يعد السؤال كيف نطلق مبادرة جديدة، وإنما كيف نبني منظومة قادرة على حمل الأثر وتوسيعه واستدامته.
فكثير من المبادرات تبدأ قوية ثم تتوقف؛ لا لضعف الفكرة، وإنما لغياب البيئة الداعمة التي تتيح لها الاستمرار والتوسع. فالفكرة الجيدة تحتاج إلى منظومة تحميها من التآكل، وتمنحها مسارًا واضحًا للنمو. ومع توفر هذه المنظومة، يصبح الأثر ممارسة مستمرة، ويتحول الجهد الفردي إلى عمل تراكمي منظم.
والمنظومة الداعمة للأثر الاجتماعي ليست كيانًا واحدًا، وإنما شبكة مترابطة من عناصر تعمل بتناغم. تبدأ بسياسات تهيّئ البيئة الممكنة، وتمويل اجتماعي مرتبط بالنتائج وليس بالأنشطة، وحاضنات ومسرّعات تؤدي دور الربط إلى جانب بناء القدرات، وشراكات متعددة القطاعات توزّع الأدوار بوضوح، وأدوات قياس توجّه القرار وتدعم التعلم المستمر. وغياب أي عنصر من هذه العناصر يضعف المنظومة بأكملها، حتى وإن بدت بقية المكونات قوية.
وفي هذا الإطار، يتغير دور التمويل الاجتماعي من مجرد ضخ موارد إلى أداة تمكين حقيقية. فالمال لا يصنع الأثر بذاته؛ ما يصنع الفرق هو طريقة توجيهه وربطه بالنتائج. فالاتجاه المتنامي اليوم نحو الاستثمار ذي الأثر، والتمويل المختلط، والمنح المشروطة بمؤشرات واضحة، يعكس تحولًا في التفكير من دعم الأنشطة إلى تمويل المسارات. وهذا التحول يرفع كفاءة الإنفاق، ويعزز الاستدامة، ويخلق مساءلة مشتركة بين الممول والمنفذ.
كما يتغير دور الحاضنات والمسرّعات داخل المنظومة الفاعلة. فلم تعد قيمتها تقاس بعدد البرامج أو ساعات التدريب، وإنما بقدرتها على بناء الجسور بين الرياديين والممولين، وبين الحلول والأسواق، وبين التجريب والتوسع. فالحاضنة هنا تعمل كمحرك ربط، يختصر المسافات ويمنع العزلة، ويحوّل الأفكار الواعدة إلى نماذج قابلة للنمو.
ولا يمكن للأثر الاجتماعي أن يُبنى بمعزل عن الشراكات متعددة القطاعات. حيث لا يوجد قطاع لديه القدرة وحده على حمل التعقيد الاجتماعي، فالقطاع العام يضبط الاتجاه ويهيّئ الإطار التنظيمي، والقطاع الخاص يوسّع السوق ويعزز الكفاءة، بينما القطاع غير الربحي يحافظ على الالتصاق بالاحتياج والواقع. عندما تتكامل هذه الأدوار بوضوح، يُتجنب تكرار الجهود، ويتضاعف الأثر.
وفي قلب هذه المنظومة، يقف قياس الأثر بوصفه البوصلة وليس مستندًا أو تقريرًا ختاميًا. فالقياس الفاعل لا يأتي بعد التنفيذ فقط، بل يرافقه ويوجهه منذ البداية. من دونه، يصعب التعلم أو التصحيح أو اتخاذ قرارات مبنية على الواقع. وحين يتحول القياس إلى لغة مشتركة بين الممول، والمنفذ، وصانع القرار، يصبح الأثر قابلًا للإدارة وليس للتخمين.
يتقاطع هذا المنطق المنظومي بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تركز على التمكين، والمسؤولية المشتركة، وتنويع الاقتصاد. فالأثر الاجتماعي في هذا السياق ليس نشاطًا هامشيًا، وإنما جزء من مسار التحول الوطني، ومكوّن أساسي في بناء اقتصاد أكثر شمولًا واستدامة.
سواء كنت رائدًا اجتماعيًا، أو جهة داعمة، أو شريكًا محتملًا، فإن التفكير بمنطق المنظومة يساعدك على فهم موقعك في سلسلة الأثر، وبناء شراكات أكثر وعيًا، وربط الجهد بالنتيجة. ونحن في أروقة نؤمن أن الأثر لا يُصنع بالنية وحدها، وإنما ببنية واضحة تحوّل الفعل إلى قيمة مستدامة ، فالمنظومات ليست شعارًا، بل طريقة عمل تقود الأثر نحو المستقبل.
أروقة البداية والنهاية
نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!