تحويل القيم إلى نماذج عمل مؤسسية مستدامة
كيف نحول القيم المؤسسية من خطاب معلن إلى نماذج عمل مستدامة؟ تحليل يربط القيم بالحوكمة، والثقافة التنظيمية، وخلق القيمة طويلة الأثر.
تُعلن كثير من المؤسسات منظومات قيم مؤسسية طموحة، وتحرص على إبرازها في وثائقها الرسمية وخطابها العام، لكنها تعجز عن تحويل هذه القيم إلى ممارسات تشغيلية قابلة للتنفيذ والقياس. تظهر هذه الفجوة عندما تبقى القيم في مستوى الخطاب، منفصلة عن نموذج العمل المؤسسي، وعن القرارات اليومية التي تُنشئ القيمة وتُدير الموارد. في هذه الحالة، تتحول القيم المؤسسية إلى عنصر تجميلي يُحسّن الصورة الذهنية للمؤسسة، دون أن ينعكس أثره على سلوكها التنظيمي أو استدامتها الفعلية.
القيم، بطبيعتها، لا تُنتج أثرًا تلقائيًا. فالإعلان عنها أو الاتفاق الأخلاقي حولها لا يقود بالضرورة إلى تغيير منطق العمل. عندما لا تُعاد صياغة القيم كمنطق قيمة يحدد ما الذي تُقدمه المؤسسة، ولمن تُقدمه، وكيف تُنشئ هذه القيمة وتُحتجز، تبقى القيم خارج نموذج العمل. القيم التي لا تدخل في صميم القرار التشغيلي، ولا تُترجم إلى أولويات واضحة في تصميم المنتجات أو تطوير الخدمات أو بناء الشراكات، تظل خطابًا موازيًا لا يوجّه الموارد ولا يُعيد تشكيل السلوك المؤسسي.
يظهر الاختبار الحقيقي لتحويل القيم إلى نموذج عمل داخل الثقافة التنظيمية. فالثقافة هي المساحة التي تنتقل فيها القيم من النصوص إلى الممارسة اليومية. عندما لا تنعكس القيم في أنظمة الحوافز، أو في آليات اتخاذ القرار، أو في أنماط القيادة، يفقد نموذج العمل القائم على القيم قدرته على الصمود عند أول ضغط تشغيلي. القيم لا تُقاس بما يُكتب في الأدلة المؤسسية، وإنما بما يُكافأ عليه داخل المؤسسة، وبما يُتسامح معه، وبما يُصنّف سلوكًا مقبولًا أو مرفوضًا في الواقع اليومي. أي فجوة بين القيم المعلنة والقيم التي تحكم الثقافة الفعلية تُضعف النموذج من الداخل.
ورغم مركزية الثقافة التنظيمية، فإنها لا تضمن الاستدامة المؤسسية بمفردها. فالقيم التي لا تجد موقعها في المنطق الاقتصادي للمؤسسة تتعرض للاستنزاف، مهما كانت النوايا حسنة. تتحقق الاستدامة عندما تُدمج القيم في آليات خلق القيمة واحتجازها. ربط القيم بقرارات التسعير، وتصميم الشراكات، وإدارة سلاسل القيمة، وتوزيع الموارد يجعلها جزءًا من منطق البقاء المؤسسي. في المقابل، القيم التي لا تُحتجز اقتصاديًا تفقد تدريجيًا قدرتها على الاستمرار، وتتحول مع الوقت إلى عبء تشغيلي يُربك النموذج.
يتطلب الانتقال من القيم كخطاب إلى القيم كنموذج عمل مراجعة جادة للحوكمة المؤسسية. فتبنّي نموذج قائم على القيم لا يقتصر على تعديل لغوي أو تواصلي، وإنما يمسّ بنية القرار، وتوزيع السلطة، ومسارات المساءلة. عندما تتعارض القيم المعلنة مع القيم الضمنية التي تحكم آليات اتخاذ القرار، تستمر الأخيرة في توجيه السلوك المؤسسي. لهذا السبب، يستلزم التحول الحقيقي مواءمة الحوكمة مع القيم المعلنة، بما يضمن انسجام القرار اليومي معها.
تتضح خطورة هذا الخلل عند النظر إلى النماذج الأحادية. فالقيم المؤسسية متعددة الأبعاد بطبيعتها، وحصرها في بُعد اجتماعي أو أخلاقي واحد يُنتج نموذج عمل هشًا يصعب تنفيذه أو الحفاظ عليه. النماذج القابلة للعمل تربط بين قيمة اقتصادية واضحة، وأثر اجتماعي قابل للقياس، وإدارة تنظيمية منضبطة. غياب هذا الترابط يُضعف التماسك الداخلي، ويُربك الأولويات، ويجعل القيم عرضة للتآكل عند أول تعارض في المصالح أو الضغوط التشغيلية.
في السياق غير الربحي والعام، تزداد تعقيدات هذه الإشكالية. فالقيم هنا تشكّل جوهر النموذج المؤسسي، لا إضافة عليه. نقل نماذج القطاع الخاص دون إعادة تأصيل القيم يُربك منطق العمل، ويُضعف قياس الأداء والأثر. في هذه البيئات، يقود وضوح القيم التصميم المؤسسي منذ البداية، ويمنح النموذج اتساقه الداخلي، ويمنع تحوّله إلى كيان يستخدم أدوات لا تخدم غايته الأساسية.
يظل الابتكار التشغيلي الأداة العملية لترجمة القيم إلى واقع ملموس. فالقيم لا تتجسد عبر الرسائل أو الحملات الداخلية، وإنما عبر إعادة تصميم العمليات. استخدام القيم كمدخل لإعادة التفكير في تقديم الخدمات، وإشراك أصحاب المصلحة، وتنظيم العمل الداخلي، يحوّل الابتكار إلى أداة تنفيذ حقيقية داخل نموذج العمل. في هذا السياق، يصبح الابتكار شرطًا لازمًا لتجسيد القيم في الممارسة اليومية.
تُظهر هذه القراءة أن تحويل القيم إلى نماذج عمل يتحقق عندما تُصاغ القيم كمنطق قيمة واضح، وتُدمج في الثقافة التنظيمية، وتُدار عبر حوكمة منسجمة، وتُحتجز اقتصاديًا لضمان الاستدامة. كما تؤكد أن تعددية الأبعاد تمثل شرطًا لتماسك النموذج، وأن الابتكار في العمليات هو المسار العملي لتحويل القيم من خطاب مؤسسي إلى ممارسة قابلة للاستمرار.
في أروقة الريادة، ننطلق من هذا الفهم في تعاملنا مع القيم والبناء المؤسسي. نرى أن القيم تُقاس بقدرتها على توجيه القرار، وتنظيم الموارد، وحماية الأثر عبر الزمن. عندما تتحول القيم إلى نموذج عمل، يصبح الأثر نتيجة طبيعية ممتدة، لا حالة مؤقتة مرتبطة بالخطاب.
أروقة البداية والنهاية
نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!