البداية التي تصنع الفرق

٢٠ يناير ٢٠٢٦

بناء الاستدامة ضمن تصميم الكيانات المؤسسية

كيف تُصمَّم الكيانات المؤسسية لتكون مستدامة؟ تحليل يوضح دور الحوكمة، نموذج الإيرادات، وبناء القدرات في تحقيق الاستمرارية.


تتعامل كثير من الكيانات المؤسسية مع الاستدامة المؤسسية بوصفها مرحلة تشغيلية لاحقة، أو نتيجة لتحسن الأداء المالي بعد سنوات من العمل. في هذا التصور، تُفهم الاستدامة على أنها حالة تُكتسب لا خاصية تُبنى. وتشير الأدبيات الحديثة في تصميم المنظمات ونماذج الأعمال المستدامة إلى أن الاستدامة تتشكل في لحظة التصميم الأولى.

منذ التأسيس، تحدد طريقة بناء الحوكمة المؤسسية، واختيار نموذج الإيرادات، وتشكيل القدرات التنظيمية، واعتماد آليات القياس المبكر، قدرة الكيان على الاستمرار دون ارتهان للتمويل المؤقت أو للأفراد.



التصميم المؤسسي والاستدامة طويلة الأمد


الكيان الذي يُصمَّم ليستمر يختلف جوهريًا عن كيان يُصمَّم للانطلاق فقط. وعند تأجيل سؤال الاستدامة، يتحول التشغيل إلى سلسلة من المعالجات المؤقتة التي تركز على البقاء بدلاً من بناء مسار مؤسسي طويل الأمد. في المقابل، ينطلق التصميم المؤسسي المستدام من سؤال تأسيسي واحد: كيف سيستمر هذا الكيان في أداء دوره دون تدخلات استثنائية؟ هذا السؤال يوجّه القرارات الاستراتيجية كافة، من الهيكل التنظيمي إلى منطق التمويل، ومن توزيع الصلاحيات إلى آليات اتخاذ القرار.



الحوكمة المؤسسية كأداة للاستدامة


تُظهر الأدبيات أن الحوكمة المبكرة تمثل إحدى أهم أدوات الاستدامة والبقاء المؤسسي. فهي تُبنى لحماية الأثر منذ البداية، قبل أن يتعرض للتآكل مع التوسع أو تغيّر الظروف. فوضوح الأدوار، والفصل بين التوجيه والتنفيذ، وتحديد مسارات المساءلة منذ التأسيس، عناصر تصميمية تقلل الاعتماد على الأفراد وتعزز الاعتماد على النظم. لأن الكيانات التي تُبنى حول أشخاص بعينهم تكون أكثر هشاشة عند التوسع أو تغيّر القيادات، بينما تمنح الحوكمة الوظيفية قدرة أعلى على الاستمرار المؤسسي والاتساق مع الزمن.



نموذج الإيرادات والاستدامة المالية


يرتبط تصميم نموذج الإيرادات المستدام ارتباطًا مباشرًا بحماية الرسالة المؤسسية. فالاستدامة المالية تُستخدم لضمان استمرارية الأثر والحفاظ على منطق اتخاذ القرار. حيث تشير الدراسات إلى أن نماذج الإيرادات غير المنسجمة مع الأثر تدفع الكيانات تدريجيًا إلى تعديل سلوكها المؤسسي من أجل البقاء، حتى في حال عدم التخطيط له. لذلك، يتمحور السؤال الجوهري حول مصدر الدخل الذي يحافظ على منطق القرار ولا يفرض تنازلات على الأثر المؤسسي. هذه الإجابة تحدد ما إذا كان النمو سيعزز الرسالة أو يضعفها مع الوقت.



القدرات التنظيمية وبناء الاستدامة


لا تتحقق الاستدامة المؤسسية عبر الحوكمة والتمويل وحدهما، ما لم تُدعّم بقدرات تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف. إطلاق المبادرات أسهل من بناء القدرات، بينما يظل الاستثمار في التنظيم أكثر أثرًا على المدى الطويل. حيث أن الكيانات التي تركز على البرامج والأنشطة دون الاستثمار في التعلم المؤسسي، والتنسيق الداخلي، وبناء المعرفة التنظيمية، تواجه إنهاكًا مبكرًا وتراجعًا في جودة الأثر. فالاستدامة تتطلب تنظيمًا قادرًا على تطوير نفسه، لا فريقًا ينفّذ أنشطة متكررة دون تطور.



القياس والمرونة في التصميم المؤسسي


يكتمل التصميم المستدام بإدراج القياس المؤسسي والمرونة التنظيمية ضمن البنية منذ التأسيس. فالقياس أداة تصميمية تتيح اتخاذ قرارات مبكرة وتصحيح المسار قبل تفاقم الاختلالات. وما لا يُقاس منذ البداية يصعب إدارته لاحقًا. وفي الوقت ذاته، تتطلب الاستدامة قدرة مستمرة على التكيّف. فالمرونة المؤسسية، أي القدرة على إعادة التشكّل دون فقدان الهوية، شرط أساسي للبقاء في بيئات متغيرة.



الاستدامة كمسألة تصميم منذ البداية


توضح هذه القراءة أن الاستدامة المؤسسية ترتبط بالتصميم أكثر من ارتباطها بالموارد. الكيانات التي تُبنى على: حوكمة مؤسسية واضحة، ونموذج إيرادات منسجم مع الأثر، بالإضافة إلى قدرات تنظيمية قابلة للتطور وآليات قياس مبكرة، تمتلك قدرة أعلى على الاستمرار دون فقدان رسالتها. 

ومن هذا المنطلق، يتحول دور المؤسسين والمجالس من إدارة أزمات تشغيلية لاحقة إلى اتخاذ قرارات تصميمية واعية منذ البداية، تحمي الكيان من الهشاشة وتمنحه القدرة على البقاء.


في أروقة الريادة، ننطلق من هذا الفهم في مقاربتنا للبناء المؤسسي. نرى أن الاستدامة تُقاس بقدرة الكيان على الحفاظ على جوهره وهو يتطور. وعندما تُبنى الاستدامة في التصميم، يصبح الأثر مسارًا قابلًا للتراكم، لا نتيجة مؤقتة تُستنزف مع الوقت.

أروقة البداية والنهاية

نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!

تواصل معنا الآن
Logo