علاقة التمكين والحوكمة بالاستدامة المؤسسية
كيف يحقق التوازن بين التمكين والحوكمة الاستدامة المؤسسية في المؤسسات الاجتماعية وغير الربحية، من خلال بنية قرار مرنة ومساءلة واضحة.
تواجه المؤسسات، ولا سيما في القطاع الاجتماعي وغير الربحي، تحديًا جوهريًا يتمثل في تحقيق الاستدامة المؤسسية دون التفريط في المرونة أو فاعلية القرار. ففي بيئات تتسم بندرة الموارد، وتعدد الشركاء، وارتفاع حساسية الأثر الاجتماعي، يصبح أي اختلال في بنية اتخاذ القرار عاملًا مباشرًا في إضعاف قدرة المؤسسة على الاستمرار. وغالبًا ما يُقدَّم التمكين المؤسسي بوصفه حلًا لتعزيز المبادرة وتسريع الفعل، أو تُطرَح الحوكمة المؤسسية كإطار ضابط يضمن الانضباط والاستمرارية. غير أن التجربة المؤسسية والأدبيات الحديثة تشير إلى أن الاستدامة تتحقق عندما تُنظَّم العلاقة بين المسارين ضمن منظومة واحدة متكاملة.
التمكين المؤسسي: من مفهوم قيمي إلى أداة تشغيلية
لم يعد التمكين في الفكر المؤسسي المعاصر مفهومًا قيميًا عامًا أو شعارًا إداريًا فضفاضًا، وأصبح يُنظر إليه بوصفه أداة تشغيلية تُسهم في رفع جودة القرار وتحسين سرعة الاستجابة. فتعزيز الصلاحيات، وتوسيع الوصول إلى المعلومات، وبناء الثقة التنظيمية، كلها عناصر ترتبط بارتفاع الأداء المؤسسي والقدرة على الابتكار. إلا أن هذا الارتباط يظل مشروطًا بوجود حدود واضحة للصلاحيات وأطر تضبط ممارسة القرار. فالتمكين غير المنظم لا يقود بالضرورة إلى تحسين الأداء، وقد ينتج عنه تفاوت في القرارات، وتضارب في الأولويات، وتراجع في الاتساق المؤسسي، خصوصًا في المؤسسات التي تتطلب تنسيقًا عاليًا بين الفرق والشركاء.
الحوكمة المؤسسية: من الامتثال الشكلي إلى الممارسة اليومية
في المقابل، لا تُختزل الحوكمة المؤسسية في وجود لوائح أو هياكل تنظيمية، ولا في الامتثال الشكلي للسياسات. الحوكمة الفاعلة ممارسة يومية تتجسد في وضوح الأدوار، وعدالة المساءلة، وتوازن توزيع السلطة داخل المؤسسة. وعندما تُبنى الحوكمة على الضبط وحده دون تمكين فعلي، فإن النتيجة تكون جمودًا مؤسسيًا يضعف المبادرة ويبطئ الاستجابة للتغيرات. أما الحوكمة التشاركية، التي تضبط الاتجاه العام وتفتح المجال للفعل في الوقت نفسه، فهي تعزز المرونة التنظيمية وتُهيئ بيئة أكثر قابلية لتحقيق الاستدامة.
بنية القرار الداخلي أساس الاستدامة المؤسسية
يتضح من هذا التداخل أن الاستدامة المؤسسية لا تبدأ من التقارير أو مؤشرات الأداء النهائية، وإنما تنطلق من بنية القرار الداخلي. فعندما تكون الصلاحيات واضحة، والمسؤوليات موزعة بإنصاف، وآليات المساءلة مفعّلة دون تعقيد، ويتكامل التمكين مع الحوكمة، تتحول الاستدامة إلى أثر تراكمي طبيعي. في هذه الحالة، لا تُدار المؤسسة بردود فعل آنية، وإنما بمنطق مؤسسي يمكن فهمه والتنبؤ بمساراته. الاستدامة هنا ليست هدفًا منفصلًا، وإنما نتيجة مباشرة لطريقة الحكم وطريقة التمكين التي تُمارس يوميًا داخل المؤسسة.
التوازن بين التمكين والحوكمة في المؤسسات الاجتماعية
تزداد أهمية هذا التوازن في المؤسسات الاجتماعية، حيث يكون هامش الخطأ ضيقًا، وتأثير القرار مضاعفًا على المستفيدين والمجتمع. فالتمكين دون ضوابط قد يعرّض الرسالة الاجتماعية للانحراف، والحوكمة الثقيلة قد تعيق الفعل وتستنزف الموارد. في هذا السياق، لا يكون استنساخ نماذج حوكمة جامدة خيارًا مناسبًا، كما أن تبني خطاب تمكيني بلا إطار لا يحقق الأثر المنشود. الأنسب هو نموذج حوكمة خفيفة، واضحة في الصلاحيات، مرنة في التطبيق، تمكّن العاملين من اتخاذ القرار في المستوى الأقرب للتنفيذ، وتحمي المؤسسة من التشتت أو التسيّب في الوقت ذاته.
التمكين والحوكمة: وجهان لعملة الاستدامة
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن التمكين يرفع القدرة على الفعل، غير أن قيمته تتراجع في غياب إطار حاكم يضبط الاتجاه. كما تؤكد أن الحوكمة تضبط المسار، إلا أنها تتحول إلى عبء عندما لا تُترجم إلى ممارسة تمكينية. وعليه، فإن الاستدامة المؤسسية لا تُختزل في عنصر واحد، وإنما تُبنى من خلال اتساق مستمر بين التمكين والحوكمة بوصفهما وجهين لعملة واحدة. هذا الاتساق هو ما يمنح المؤسسة القدرة على الاستمرار والتكيف دون فقدان جوهرها أو رسالتها.
في أروقة الريادة، ننطلق من هذا الفهم في مقاربتنا للبناء المؤسسي. نرى أن التمكين لا يعني التفويض المطلق، كما أن الحوكمة لا تعني التعقيد. ونعمل على تصميم علاقة متوازنة بينهما، تجعل القرار أقرب لمن ينفذه، وتحمي الأثر الاجتماعي بمنهج واضح، وتبني استدامة تُدار بالعقل لا بالاستثناء. فحين تتكامل الحوكمة مع التمكين، تتحول الاستدامة إلى ممارسة يومية يمكن البناء عليها.
أروقة البداية والنهاية
نسير بثبات نحو المستقبل عبر أروقة العمل الجاد والطموح الذي لا يعرف حدودًا..
نزرع الأثر ليبقى، ونستكشف الآفاق الواعدة لنكتشف فرصًا تعود بالنفع على الإنسانية جمعًا.
هنا، حيث يبدأ الأمل، ولا تنتهي المسيرة!